محمد حسين هيكل
280
حياة محمد ( ص )
خارجة « 1 » . سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت « 2 » عنقها . فضحك رسول اللّه وقال : هنّ حولي يسألنني النفقة . فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها ، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها ، كلاهما يقول : تسألن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ما ليس عنده ! فقلن : واللّه لا نسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أبدا شيئا ليس عنده » وإنما دخل أبو بكر وعمر على النبيّ لأنه عليه السلام لم يخرج للصلاة : فتساءل المسلمون بعدها عما منعه . وفي حديث أبي بكر وعمر مع عائشة وحفصة نزل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ) « 3 » - نساء النبي يأتمرن ثم إن نساء النبيّ كن يأتمرن به . فقد كان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن . فدخل على حفصة في رواية ، وعلى زينب بنت جحش في رواية فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس . فأحدث ذلك الغيرة في نفوس سائر نسائه . وقالت عائشة : « فتواطأت أنا وحفصة أن أيّتنا ما دخل عليها النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم فلتقل إني أجد ريح مغافير . أكلت مغافير » ( والمغافير شيء حلوله ريح كريهة ؛ وكان النبيّ لا يحبّ الرائحة الكريهة ) فدخل على إحداهما فقالت له ذلك . فقال : بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له . وروت سودة ، وكانت تواطأت على مثل ذلك مع عائشة ، أن النبيّ لمّا دنا منها قالت له : أكلت مغافير ؟ قال : لا . قالت : فما هذه الريح ؟ قال : سقتني حفصة شربة من عسل . قالت : جرست نحله العرقط « 4 » . ودخل على عائشة فقالت له ما قالت سودة ، ثم دخل على صفيّة فقالت له مثل قولهما ، فحرّمه على نفسه . فلمّا فعل قالت سودة : سبحان اللّه ! واللّه لقد حرمناه . فنظرت إليها عائشة نظرة ذات مغزّى وقالت لها : اسكتي . طبيعيّ وقد جعل النبي لأزواجه هذه المكانة ، بعد أن كنّ كغيرهن من نساء العرب لا رأي لهن ، أن يتغالين في الاستمتاع بحرية لم يكن لمثيلاتهن بها عهد ، وأن تبلغ إحداهن من مراجعة النبيّ أن يظل يومه غضبان . وكم أعرض عنهنّ وكم هجر بعضهن فحتى لا يدفعهن رفقه بهنّ إلى مزيد من غلوهنّ ؛ وأن تخرج بإحداهن الغيرة إلى غير لائق بالسداد . فلما ولدت مارية إبراهيم خرجت الغيرة بأزواج النبيّ عما أدّبهن به ، حتى كان هذا الحديث بينه وبين عائشة إذ تنكر عليه كل شبه بين إبراهيم وبينه ، ولتكاد تتهم مارية بما يعرف النبيّ براءتها منه . ثورة نساء النبي وحدث أن كانت حفصة يوما قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده . وجاءت مارية إلى النبيّ وهو في دار حفصة وأقامت بها زمنا معه . وعادت حفصة فوجدتها في بيتها ، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشدّ ما تكون غيرة ، وجعلت كلما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدّة . فلما خرجت مارية ودخلت حفصة على النبي ، قالت له : « لقد رأيت من كان عندك . واللّه لقد سببتني . وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك » . وأدرك محمد أن الغيرة تدفع حفصة إلى إذاعة ما رأت والتحدّث به إلى عائشة أو إلى غيرها من أزواجه ، فأراد إرضاءها بأن
--> ( 1 ) كذا في مسلم . وليس في الطبري ، وقد سرد من زوجات عمر ، من تسمى بابنة خارجة . وفي روح المعاني : لو رأيت ابنة زيد . . . إلخ » . ( 2 ) وجأ عنقه : ضربه ولكزه . ( 3 ) سورة الأحزاب آيتا 28 و 29 . ( 4 ) أي رعت نحله شجر العرفط الذي يثمر المغافير .